الكاتب وغرفة التحرير: الرقابة الذاتية والتهديد باللا-مرئية

في أصلها، تشكّل الكتابة شكلاً خاصّاً من أشكال التفكير الذاتيّ، أي التفكير الذي يستند إلى التجربة الفكرية والثقافية والإنسانيّة الخاصّة بالكاتب. تَظْهر الكتابة بوصفها شكلاً من أشكال التفكير التفاعليّ مع المحيط، أو مع الذات نفسها؛ اندفاعاً ذاتياً فكرياً لكتابة حجّة ما، أو فكرةٍ ما. وقد كان من المُفترض، أنّ ظهور عدد هائلٍ من المنصّات الفكرية والثقافية، إضافة إلى وسائل الإعلام النقديّة والتقدّمية، أن تشكّل قطيعةً مع أنماط الضبط التي غالباً ما ترافقت مع الإعلام التجاري والرسمي الذي يفرض على الكتابة أن تنضبط داخل قوالب معدَّة مسبقاً من الأفكار التي يجب الترويج لها.
لكنّ تجربة الكتابة في عدد من هذه المنصات، تكشف مفارقة لافتة: فكلّما غاب المنع الصريح، ازدادت فعالية أشكال أخرى من الرقابة، لا تعمل عبر الحظر أو القمع المباشر، بل عبر إعادة تشكيل شروط التفكير والكتابة نفسها. في هذا السياق؛ لا تُمارسُ الرقابة عبر قرارٍ فوقيّ، بل تتسرَّب لتُصبِحَ ممارسة ذاتيّة داخلية، يُمارسها الكاتب على نفسه قبل أن يبدأ بالكتابة، أو حتّى التفكير بالكتابة وبلورة الفكرة من أساسها.
لفهم هذا التحوّل، ثمّة ضرورة للعودة إلى تحليل ميشيل فوكو للسلطة الحديثة بوصفها سلطة إنتاجية؛ لا تكتفي بالقمع المُباشر، بل تُنتِجُ الذوات التي تفرض الرقابة على نفسها. في تحليله لنموذج البانوبتيكون، يوضح فوكو أنّ السلطة لا تحتاج إلى عنف دائمٍ كي تكون ناجعة؛ يكفي أن يشعر الفرد بإمكانية المراقبة المستمرّة حتى يبدأ تلقائياً بضبطِ سلوكهِ بشكلٍ ذاتيّ. هنا تتحوّل المراقبة إلى مبدأ داخلي؛ وإذا كان البانوبتيكون نموذجاً معمارياً، فإنّ كثيراً من المنصّات التقدّمية تعمل عملياً كنموذجٍ خطابيّ مشابه في تصميمه المُنتِجِ للرقابة الذاتيّة؛ حيث لا يُقال للكاتب ما الذي يجب ألّا يكتبه، بل يُدفع إلى التعلّم بنفسه، وبالتجربة، أين تقع الحدود غير المحكيّة لما يَجِبُ أن يُقال وما لا يجب أن يُقال.
غرفة التحرير والتهديد باللا-مرئية
تقدِّمُ هذه المنصّات نفسها بطابعٍ معياريّ واضح؛ أي بوصفها تمثّل قيماً أخلاقية ذات رسالة سياسية، مُنحازة لقيمٍ معيّنة مثل العدالة وحقوق الإنسان والتقدّم، وهو ما يمنحها شرعية رمزية تتقاطع، في كثير من الحالات، مع شروط التمويل ومفرداته. لكنّ الإشكال يبدأ عندما تتحوّل هذه القيم إلى معايير ضمنيّة للقبول؛ لا تُناقش بوصفها خيارات تاريخية قابلة للنقد، بل تُعامَلُ بوصفها بديهيات. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال إذا كان النصّ المُقترح دقيقاً أو جريئاً، بل: هل ينسجم مع «روح» المنصة، مع لغتها، وبالطبع، حساسيتها السياسية، أو ما يُفضّل عادة وصفه بـ«الحساسية التحريرية».
هكذا، يتحوّل التحرير في هذا السياق من عملية تقنيّة إلى آليّة تهذيب قمعيّة: لا يُطلبُ من الكاتب حذف موقفه، بل إعادة صياغته. كما لا يُرفضُ السؤال، ولكن يُحكَى أنّ الطرح غير مناسب الآن، أو أنّ الموضوع مكرّر، أو أنّه إذا كان نقداً لسياسات داخليّة فهو يفتقر إلى المصادر الكافية، وإن كان يتعلّق بالمقاومة فعندها سيكون خارج اهتمامات المجلّة. وغالباً ما تتكرّر هذه الرسائل بصياغات لبقة مختلفة تُخفي خلفها نظام رقابة ذاتيّة راسخاً، إلى أن تنتقل الرقابة من غرفة التحرير إلى عقل الكاتب نفسه.
عندها، يطرأ التحوّل الجوهريّ على عملية الكتابة؛ لتنتقل من كونها فعل تفكير ذاتيّ خاصّ إلى عملية تفكير عمومية، ترتبط بحساسيات المجلة التحريرية، ويُدرِّبُ الكاتب نفسه، الذي استدخل حالة الرقابة الذاتية إلى عقله، على التحوّل من «مفكّر» إلى «منقّب» عن الأفكار المقبولة. تُستبدل الأسئلة الثقيلة بأخرى خفيفة، وتُفضَّل الطروحات العامة غير التصادمية، ويُكافأ من يُتقِن هذه اللغة بالاستمراريّة والظهور، متخلّياً كلّياً عن ذاتيّته والتزاماته الفكرية السابقة، مطوّعاً نفسه ليُصبِحَ خادماً لسياسات غرفة التحرير التي تتحوّل إلى جدارٍ خطابيّ: لا يمنع النصوص صراحةً، بل يحدّد ما الذي يمكن أن يمرّ بوصفه قابلاً للنشر. أمّا مَنْ يعجز عن ترويض ذاته، فينحسر ظهوره تدريجياً، باحثاً عن منصّة أخرى ستخضعه غالباً للآلية نفسها.
في هذا السياق، تقدّم تاينا بوخر إطاراً بالغ الأهمّيّة في فهم آليّات السلطة الإعلامية، وحتى الأكاديمية، المعاصرة عبر ما تسمّيه «التهديد باللا-مرئية». فإذا كانت السلطة الانضباطية الكلاسيكية، كما حلّلها فوكو، تعمل من خلال التهديد بالرؤية والمراقبة الدائمتين، فإنّ بوخر تقترح أنّ السلطة اليوم تعمل بعكس هذا المنطق تقريباً؛ فالخطر لم يَعُدْ أن تُرى أكثر ممّا يجب، بل أن لا تُرى إطلاقاً. إنّ اللا-مرئية لا تعني المنع أو الحذف الصريح؛ بل أن تكون موجوداً ولكن دون أن تكون مرئياً، وأن تكون حاضراً من دون اعتراف. إنّها أن تكتب، وتنشُر أحياناً، لكن دون أن تكون فعلياً ضمن الفِئَة المهمّة، أو ذات التأثير، أو الجدير بالمُتابعة. تخلق اللا-مرئية غياباً صامتاً، فتغدو سلطة غرفة التحرير شديدة الفاعلية لأنّها لا تواجه الكاتب بالرفض؛ بل تتركه في حالة قلق دائمٍ من السقوط خارج مجال الرؤية.
وعلى الرغم من أنّ تحليل بوخر يركِّزُ بالأساس على طريقة عمل الخوارزميات في وسائل التواصل الاجتماعيّ، إلّا أنّه ينطبق، مع اختلاف الأدوات، على المنصّات والمجلات الثقافية والسياسية والفكرية وحتى الأكاديمية؛ حيثُ لا تعمل السلطة عبر الخوارزمية فقط، بل عبر التحرير والتمويل والسُّمْعَة. فالكاتب يفهم -عبر التجربة المتراكمة- أنّ بعض المواضيع «لن تمر»، أو ستؤجّل، أو تُعاد صياغتها، أو تُفرَّغُ من حدّتها، بسبب الحساسيات التحريرية. وثمّة عدد من الأسباب التي تُنشِئُ هذه الحساسيات التحريريّة، ومنها: المُلاحَقة الأمنية، والتمويل السياسيّ (النفطيّ/ الأوروبّي/ الأميركيّ... إلخ).
تنشأ حالة الرقابة الذاتيّة هذه، والخوف من التهديد باللا-مرئية الذي أحياناً ما يكون مباشراً عبر التهديد بالحجب الإلكترونيّ من قبل السلطة السياسية، تنشأ في المنصّات التي تعمل تحت ضغط الدولة، أو التي تأسَّسَتْ أصلاً وفقاً لسياسة تحريريّة تخدِمُ أجندة المموّل، أو تلك التي راكمت خوفاً مؤسساتياً بعد وخزاتٍ قمعيّة سابقة، لتصبح استراتيجيّة نجاة للعاملين داخل المؤسسة، وتنتقل تدريجياً إلى الكتّاب أنفسهم.
في الأكاديميا أيضاً... هناك غمّاشات
تعمل الآليّة ذاتها في المعاهد والمجلات الأكاديمية، المموّلة نفطياً وأوروبّياً، خاصّة أنّ عدداً من المجلات والمواقع الإلكترونيّة أخذت تشكِّلُ واجهةً لعمل هذه المعاهد والمجلات، وجزءاً لا يتجزّأ من منظومة إعلامية فكرية أكاديمية متكاملة. هنا، لا تُستَخدم مفردات مثل «الخط الأحمر»، بل مصطلحات من قبيل: أولويات بحثية، أطر مهنية، موضوعية، لغة غير تصادمية. ويُدفَع الأكاديميون نحو تخصّصات ضيّقة تُقدَّم بوصفها شرطاً للصرامة العلمية، بينما تُستخدم فعلياً كأداة ضبط.
وكما يتحوّل الكاتب من مفكّر إلى منقّب، يتحوّل الباحث من مفكّر إلى متخصّص؛ بحيث لا يعود التخصّص الأكاديميّ أداة للتعمّق المعرفيّ بقدر ما يصبح تقنيّة ضبطٍ، شبيهة بالغمّاشات التي تُربط على عينَيْ حصان الحراثة: لا تعميه بالكامل، لكنها تحرمه من إدراك المشهد الأوسع، وتُقنِعه بأنّ ما أمامه هو كلّ العالم الممكن.
يُسمح للأكاديمي بالكلام، شرط أن يتحدّث فقط عبر أوراق بحثية ضيّقة، مكرّرة، تدور داخل الحقل نفسه، وتعيد إنتاج افتراضاته، دون قدرة -أو إذن- على القفز نحو أسئلة الإقليم، الاستعمار، الحرب، أو أكثر المواضيع حساسية: المقاومة، التي لا يُعترف بها غالباً إلا داخل أقواس. الخطر هنا لا يكمن في التخصّص ذاته، بل في فصله عن الرؤية الكلّية، وتحويله من أداة تحليل إلى آلية ضبط معرفي. في كلتا الحالتين -الأكاديميا والمنصّات الإعلامية، خاصّة عندما يكون مصدر التمويل واحداً لكلتا الجهتين- يعمل التهديد باللا-مرئية بوصفه منطقاً ناظماً: لا تُمنَع الراديكالية، لكن يُدفَع الجميع إلى تجنّبها حتى تختفي.
وتزداد فاعليّة هذا النمط من السلطة في سياق الهشاشة الوظيفية والمادّية التي يعيشها الكتّاب والباحثون؛ فغياب الأمن الوظيفي، والعمل القائم على التكليف المؤقّت، والمنح، والدعوات، والنشر المتقطّع، كل ذلك يحوِّلُ الظهور في حدّ ذاته إلى مورد نادرٍ. بحيث يصبح الظهور شرطاً للاستمرار المهنيّ وليس مجرد اعتراف رمزيّ. وبدلاً من أن يضبِطَ الكاتب نفسه خوفاً من العقاب، يضبطُ نفسه خوفاً من الاختفاء: من ألَّا يُطلَبَ مجدّداً، أو ألّا يحصل على تمويلٍ جديدٍ، أو أن يُعتبر غير ملائمٍ، أو «مخرّباً»، إذا كان ممكناً استخدام المُفردة الصهيونيّة التي تَصِفُ المقاومين الفلسطينيين.
بهذا المعنى، لا تعمل هذه المنصّات بوصفها أجهزة قمع، بل بوصفها فضاءات لإدارة الظهور؛ تُنتِج ذواتٍ تتعلّم، ببطء ومن دون أوامر، كيف تكتب ما يُعتبَر قابلاً للرؤية، لا ما يجب كتابته. وهنا تكمن خطورة هذا النمط من السلطة: أنّه لا يُواجه، ولا يُقاوَم بسهولة، لأنّه يتسلّل إلى التفكير نفسه، ويجعل الصمت — أو الاندماج الطوعي — الخيار العقلاني في زمن انعدام الأمان.
بهذا، لا تعود الرقابة حدثاً استثنائياً، بل تتحوّل إلى بنية إنتاج يومية للمعرفة: ما يُرى يُكتب، وما لا يُرى يُمحى قبل أن يُفكَّر فيه. وفي ظلّ تمدّد وهيمنة هذه البُنى الإعلاميّة والأكاديمية، لم يعد السؤال كيف نكتب داخل هذه البنى، بل: هل لا يزال ممكناً التفكير والكتابة خارج منطق الظهور ذاته؟
* باحث فلسطيني
